القرطبي
150
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وهذا مردود ، فإن القميص الذي جاءوا عليه بالدم غير القميص الذي قد ، وغير القميص الذي أتاه البشير به . وقد قيل : إن القميص الذي قد هو الذي أتي به فارتد بصيرا ، على ما يأتي بيانه آخر السورة إن شاء الله تعالى . وروي أنهم قالوا له : بل اللصوص قتلوه ، فاختلف قولهم ، فاتهمهم ، فقال لهم يعقوب : تزعمون أن الذئب أكله ، ولو أكله لشق قميصه قبل أن يفضي إلى جلده ، وما أرى بالقميص من شق ، وتزعمون أن اللصوص قتلوه ، ولو قتلوه لأخذوا قميصه ، هل يريدون إلا ثيابه ؟ ! فقالوا عند ذلك : " وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين " عن الحسن وغيره ، أي لو كنا موصوفين بالصدق لا تهمتنا . الثالثة - استدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه كالقسامة وغيرها ، وأجمعوا على أن يعقوب عليه السلام ستدل على كذبهم بصحة القميص ، وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت ، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح ، وهي قوة التهمة ، ولا خلاف بالحكم بها ، قاله بن العربي . قوله تعالى : ( قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ) . فيه ثلاث مسائل : الأولى - روي أن يعقوب لما قالوا له : " فأكله الذئب " قال لهم : ألم يترك الذئب له عضوا فتأتوني به أستأنس به ؟ ! ألم يترك لي ثوبا ( 1 ) أشم فيه رائحته ؟ قالوا : بلى ! هذا قميصه ملطوخ بدمه ، فذلك قوله تعالى : " وجاءوا على قميصه بدم كذب " فبكى يعقوب عند ذلك وقال ، لبنيه : أروني قميصه ، فأروه فشمه وقبله ، ثم جعل يقلبه فلا يرى فيه شقا ولا تمزيقا ، فقال : والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت كاليوم ذئبا أحكم منه ، أكل ابني واختلسه من قميصه ولم يمزقه عليه ، وعلم أن الأمر ليس كما قالوا ، وأن الذئب لم يأكله ، فأعرض عنهم كالمغضب باكيا حزينا وقال : يا معشر ولدي ! دلوني على ولدي ، فإن كان حيا رددته إلي ، وإن كان ميتا كفنته ودفنته ، فقيل قالوا حينئذ : ألم تروا إلى أبينا كيف يكذبنا في مقالتنا ! تعالوا نخرجه من الجب ونقطعه عضوا عضوا ، ونأت أبانا بأحد أعضائه فيصدقنا
--> ( 1 ) في ع : له .